أهمية العلم

– عنوان المحاضرة : أهمية العلم

– المحاضر : د. رنا حمد

– المحاضرة : نصية

– قدمت في : أكاديمية FG – Group الأمريكية

بسم الله الرحمن الرحيم

– العلم :

العلم نقيض الجهل ، و هو من أهم عوامل ارتقاء الأمم والشعوب ، وأهم عنصر في نمو الحياة وازدهارها ورغد العيش ، وبه يتميّز إنسان عن إنسان ، وتعلو أمم على غيرها ، فتقوم الكيانات ، وتتحرك عجلة الحياة ، ولولاه لاستحالت الحياة جحيماً لا يطاق ، ولغدى الإنسان صريعاً للجهل والتخلف ، ولفتكت به الأمراض ، وعصفت به رياح محن الجهل والتخلف ، فالعلم نور والجهل ظلام ، وشتان بين النور والظلام ، وللعلم طرق لاكتسابه ، وعوامل لتطوره ، وكذلك للساعي لاكتساب العلم صفات ، ويترتب على الجهل تبعات وتبعات .

الحقيقة التي نعلمُها جميعاً كمؤمنين بالله تعالى ، أنّهُ عندما خلَقَ أوّلَ البشر وهوَ سيّدنا آدم عليهِ السلام كانَ هذا النبيّ الكريم من أعلم الناس ، فقدّ تمَّ تعليمهُ من قِبَلِ الله سُبحانهُ وتعالى ، فقد علَّمَ الله آدمَ الأسماءَ كُلّها كما ورَدَ ذِكرُ ذلكَ في القُرآن الكريم في سورةِ البقرة ، وهوَ معرِضُ الحديث عن خلق آدم عليهِ السلام ، وقد تحدّى الله بعِلم آدم عليهِ السلام الملائكةَ جميعاً ، فكانَ عليه السلامَ أعلمَ من الملائكة ، وهذا بفضلِ قُدرة الله تعالى الذي علّمَ الإنسانَ ما لم يعلم .

 

– تعريف العِلم :

ويتمّ تعريف العِلم بأنّهُ إدراك الأشياء على حقيقتها وهو بلا شكَّ نقيضٌ للجهل ، والعِلم أيضاً هوَ المعرفة ، وبالعِلم تستطيع التمييز بينَ الأمور ومعرفة المفاسِد من المصالح ، ومعرفةَ الغثِّ من السمين ، وهوَ بذلكَ استحقَّ أن يوصفَ بالنور ، فكثيراً ما نسمعُ العبارة الشائعة أنَّ العِلمَ نور ، فبالنور تُبصرُ الأشياء وتعلمَ النافع من المُفيد ، وبالنور ترى طريقك فلا تسقط حين تمشي بسبب ظلامِ الدُّنيا من حولك ، بل هوَ مُنقذٌ لكَ ومُرشد للاتجاه المطلوب بعيداً عن المزالق والأخطار .

 

– العلم في الإسلام :

خلق الله الإنسان وزوده بأدوات العلم والمعرفة وهي السمع والبصر والعقل قال تعالى : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون {78} النحل  .

والإسلام دين العلم فأول آية نزلت من القرءان الكريم ، تأمر بالقراءة التي هي مفتاح العلوم ، قال تعالى : { اقرأ باسم ربك الذي خلق {1} خلق الإنسان من علق {2} اقرأ وربك الأكرم {3} الذي علم بالقلم {4} علم الإنسان ما لم يعلم {5} العلق  .

والعلم في الإسلام يسبق العمل ، فلا عمل إلا بعلم كما قال سبحانه : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات {19} محمد .

وقد حذر الله كل مسلم من القول بلا علم فقال سبحانه : { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً {36} الإسراء  .

وتنويهاً بمقام العلم والعلماء استشهد الله العلماء على وحدانيته فقال سبحانه : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم {18} آل عمران .

ومعرفة الله وخشيته تتم بمعرفة آياته ومخلوقاته والعلماء هم الذين يعلمون ذلك ولذلك أثنى الله عليهم بقوله : { إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء {28} فاطر  .

ولأهمية العلم أمر الله رسوله أن يطلب المزيد منه فقال : { وقل رب زدني علماً {114} طه .

والإسلام يدعو إلى طلب العلم ، وقد جعل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم وبين فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وأن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر وأخبر عليه الصلاة والسلام أن طلب العلم طريق إلى الجنة فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ” من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة “ رواه البخاري ( كتاب العلم/10) .

والإسلام يدعو إلى تعلم سائر العلوم النافعة والعلوم درجات فأفضلها علم الشريعة ثم علم الطب ثم بقية العلوم  .

وأفضل العلوم على الإطلاق ، علوم الشريعة التي يعرف بها الإنسان ربه ، ونبيه ودينه ، وهي التي أكرم الله بها رسوله وعلمه إياها ليعلمها الناس : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ {164} آل عمران  .

وقال عليه الصلاة والسلام : ” من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين “ متفق عليه أخرجه البخاري/69  .  

وفي العناية بالقرءان الكريم تعلماً وتعليماً يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ” خيركم من تعلم القرءان وعلمه “ أخرجه البخاري/4639  .

ولا خير في علم لا يصدقه العمل ولا في أقوال لا تصدقها الأفعال : { يا أيها الذين آمنوا لم َ تقولون ما لا تفعلون {2} كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون {3} الصف .

والفقه في الدين من أفضل خصال الخير التي يتشرف بها المسلم كما قال عليه الصلاة والسلام : ” من يرد الله به خيراً يفقه في الدين “ متفق عليه  .

وقراءة القرءان الكريم ، وتعلمه وتعليمه من أفضل الأعمال كما قال النبي عليه الصلاة والسلام : ” لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار “ أخرجه البخاري/73 ومسلم/815  .

 

– فضل العلماء :

وللعلماء في الإسلام منزلة شريفة تعلو من سواهم في الدنيا والآخرة قال تعالى : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات {11} المجادلة .

وقد مدح الله تعالى العلماء وأثنى عليهم بقوله : { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب {9} الزمر  .

وأهل العلم هم أسرع الناس إدراكاً للحق و إيماناً به : { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم {54} الحج  .

والأمة تحتاج إلى العلماء في كل زمان ومكان وأمة بلا علم ولا علماء تعيش في الأوهام وتتخبط في الظلمات إذا تعلم الإنسان ما شرع الله تعالى ، ومن كتم هذا العلم ، وحرم الأمة منه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة واستحق اللعنة إلا من تاب كما قال سبحانه : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون  {159} إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم {160} البقرة  .

وللعالم ثواب عظيم والدال على الخير كفاعله وإذا مات العالم فإن أجره عند الله تعالى لا ينقطع بموته ، بل يجري له ما انتفع الناس بعلمه قال عليه الصلاة والسلام : ” إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له “ رواه مسلم/1631 .

وإذا نشر العالم علمه بين الناس كان له مثل أجور من اتبعه قال عليه الصلاة والسلام : ” من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً “ رواه مسلم/2674  .

 

– أنواع العُلوم :
والعِلم بشكل عامّ وبدقّة أكثر يحوي منظومةً كبيرة من المعارف يكونُ السبيلُ إلى تحصيلها من خلال المناهج العلميّة التي هيَ السبيل إلى تحقيق المعرفة بالشكل الصحيح ، وتنقسم العُلوم إلى عدّة أقسام منها ما يلي :

  • العُلوم التجريديّة : أو العُلوم التي تنشأ على بُنية تجريديّة ليسَ لها سوى مفاهيم يُستدلّ عليها من خلال المنطق ، وهذهِ بالعادة تختصّ بالعُلوم الرياضية ، ومن المؤكّد أنَّ هذهِ العُلوم ذات أهميّة كبيرة حين يتمّ إسقاطها على واقع العُلومِ الأخرى .

  • العُلوم التطبيقيّة : وهيَ العُلوم التي يتمّ تطبيقُها واقعاً حين نتعلّمها ، ومن أكبر الأمثلة على هذا النوع من العِلم هي العُلوم الطبيّة ، فالطبّ هو تطبيق للعُلوم الحيوية التي نتلقّاها ونوظّفها في علاج الأمراض وغير ذلك من الخدمات الطبيّة .

  • العٌلوم الطبيعيّة : هيَ العُلوم المُتعلقة بالطبيعة كعُلوم الأرض أو ما تُسمّى بالإنجليزيّة بالجيولوجيا ، وكذلك عِلم النباتات وعُلوم الفلك والفضاء ، وتعتمد هذهِ العُلوم على العُلوم التجريديّة وغيرها .

  • العُلوم الهندسيّة : وهيَ العُلوم التي يتمّ فيها توظيف المهارات والخبرات العلميّة في تصميم وإبداع أمر جديد ، فالهندسة هي الابتكار والتجديد والتطوير .

  • العُلوم الإنسانيّة والدينيّة : هي العُلوم التي تتعلّق بالإنسان وما يتّصل به مثل عُلوم الاجتماع وعُلوم الاقتصاد والتاريخ البشريّ ، وكذلك العُلوم الدينيّة كعُلوم الشريعة الإسلاميّة الواسعة من حيث العقيدة والفقه والحديث والتفسير وغير ذلك من العُلوم .

 

– اكتساب العلم والمعرفة :

هناك عدة أمور تساعد على اكتساب العلم وهي :

  • مزاحمة العلماء ، والأخذ منهم وحسن الإصغاء إليهم ، فالعلماء هم أوعية للعلم .

  • توجيه الإرادة نحو البحث ، والاستكشاف ، والتعلّم ، فالمجالات التي يجهلها الإنسان أكثر من التي يعرفها ، بل كلما تقدم بها العمر ، زادت دائرة المجهولات أمامه ، نظراً لتعدد وسعة العوامل الإدراكيّة لديه ، فيتفتح ذهنه على أشياء لم تكن معروفة له في صغره ، وتظهر أمامه مع الصعود في سلّم الحياة ، والارتقاء في مراحل العمر أسماء ومصطلحات لم يكن يعرفها في صغره ، فكلّما زادت دائرة المعرفة ، زادت أيضاً دائرة المجهولات ، الأمر الذي يعني زيادة في البحث ، والتفكير ، والاستكشاف .

  • الاهتمام بالمطالعة ، وإعلاء شأن الكتاب .

  • حسن ترتيب أولويات اهتماماته العلميّة والمعرفيّة ، فالعمر لا يتسع لإدراك كل ما يجهله الإنسان ، فلا بدّ من تقديم الأفضل على المفضول ، والعاجل على الآجل .

  • وضع خطة بناء معرفيّة ، وبرنامج لتحقيقها ، ضمن عناصر مكتوبة ، ومدروسة بعناية ، تتقاسم دقائق الزمن ، فالارتجالية ، والعشوائية في الدراسة ، تكسب صاحبها ثقافة ، ولا تكسبه علماً؛ لأنّ العلم يحتاج إلى الانطلاق بجديّة ضمن خطط معدة بعناية ، وبرامج واضحة ، وعناوين معلومة .

  • حسن المتابعة مع البرامج الإعلاميّة ، بكافة أشكالها وأصنافها المتاحة والمتوفرة ، والمتعلقة بالبناء المعرفي ، والعلمي .

  • حسن إدارة الوقت وتنظيمه واستغلال دقائقه ، فالوقت والزمن أسلحة القاصدين في طلب العلوم المختلفة ، فالوقت هو الحياة لقلوبنا ولمشاعرنا ، ولعقولنا ، ولهممنا ، ولحياتنا بعد مماتنا في يوم حسابنا .

  • ترك فضول العادات التي يستغنى عنها بما هو مهم ، ولا شيء أكثر أهمية من العلم والتعلّم ، فكثير من العادات الاجتماعية تأخذ من أوقاتنا الحيّز والنصيب الكبير .

  • ترك فضول الكلام ، فكثرة الخوض في فضول الكلام ، تجرّ صاحبها إلى التضحيّة بأغلى ما يملك ، ألّا وهو الزمن .

  • الهمّة العالية والإرادة القويّة ، والعزم الفتي ، فعلو الهمّة يقود صاحبه إلى طرق أبواب المعالي ، والعروج في سلّمها ، والتحليق بها بين الأنجم ، في حين أنّ الهمًة النازلة تنزل بصاحبها إلى درك العيش والشقاء .

 

– من أهم فضائل العلم على ما سواه :

1- أنه إرث الأنبياء ، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا العلم فمن أخذ بالعلم فقد أخذ بحظ وافر من إرث الأنبياء ، فأنت الآن في القرن الخامس عشر إذا كنت من أهل العلم ترث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وهذا من أكبر الفضائل  .
2- أنه يبقى والمال يفنى ، فهذا أبو هريرة رضي الله عنه من فقراء الصحابة حتى إنه يسقط من الجوع كالمغمي عليه وأسألكم بالله هل يجري لأبي هريرة ذكر بين الناس في عصرنا أم لا ؟ نعم يجري كثيراً فيكون لأبي هريرة أجر من أنتفع بأحاديثه ، إذ العلم يبقى والمال يفنى فعليك يا طالب العلم أن تستمسك بالعلم فقد ثبت في الحديث أن النبي  صلى الله عليه وآله وسلم قال : ” إذا مات الإنسان ، انقطع عمله إلا من ثلاث ، صدقة جارية أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ” .
3- أنه لا يتعب صاحبه في الحراسة ، لأنه إذا رزقك الله علماً فمحله القلب لا يحتاج إلي صناديق أو مفاتيح أو غيرها هو في القلب محروس وفي النفس محروس وفي الوقت نفسه هو حارس لك لأنه يحميك من الخطر بإذن الله عز وجل فالعلم يحرسك ولكن المال أنت تحرسه تجعله في صناديق وراء الإغلاق ومع ذلك تكون غير مطمئن عليه .
4- أن الإنسان يتوصل به إلى أن يكون من الشهداء على الحق والدليل قوله تعالى : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط {18} آل عمران ، فهل قال : ” أولو المال ؟ لا بل قال : وأولو العلم قائماً بالقسط “ فيكفيك فخراً يا طالب العلم أن تكون ممن شهد لله أنه لا إله إلا هو مع الملائكة الذين يشهدون بوحدانية الله عز وجل  .
5- أن أهل العلم هم أحد صنفي ولاة الأمر الذين أمر الله بطاعتهم في قوله : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم {59} النساء ، فإن ولاة الأمور هنا تشمل ولاة الأمور من الأمراء والحكام ، والعلماء وطلبة العلم ، فولاية أهل العلم في بيان شريعة الله تعالى ودعوة الناس إليها وولاية الأمراء في تنفيذ شريعة الله وإلزام الناس بها  .  
6- أن أهل العلم هم القائمون على أمر الله تعالى حتى تقوم الساعة ، ويستدل لذلك بحديث معاوية رضي الله تعالى عنه يقول سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ” من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله معطي ، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي الله بأمره “ رواه البخاري .

وقد قال الإمام أحمد عن هذه الطائفة : ” إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم “ وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى : ” أراد أحمد أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث ” .
7- أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يرغب أحداً أن يغبط أحداً على شيء من النعم التي أنعم الله بها إلا على نعمتين هما : 
أ- طلب العلم والعمل به . 
ب- التاجر الذي جعل ماله خدمة للإسلام فعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويعلمها ” .

8- ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ” مثل ما بعثني الله به من الهدي والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكان منها طائفة طيبة  ، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلاَّ فذلك مثل من فقه في الدين ونفعهُ ما بعثني اللهُ به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به ” .
9- أنه طريق الجنة كما دل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ” ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله به طريقاً إلي الجنة “ رواه مسلم . 

10- ما جاء في حديث معاوية رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” من يرد الله به خيراً يُفقهه في الدين “ أي يجعله فقيهاً في دين الله عز وجل والفقه في الدين ليس المقصود به فقه الأحكام العملية المخصوصة عند أهل العلم بعلم الفقه فقط ولكن المقصود به هو : علم التوحيد وأصول الدين وما يتعلق بشريعة الله عز وجل ولو لم يكن من نصوص الكتاب والسنة إلا هذا الحديث في فضل العلم لكان كاملاً في الحثِّ على طلب علم الشريعة والفقه فيها. 
11- أن العلم نور يستضيء به العبد فيعرف كيف يعبد ربه ، وكيف يعامل عباده  ، فتكون مسيرته في ذلك على علم وبصيرة .

12- أن العالم نور يهتدي به الناس في أمور دينهم ودنياهم ، ولا يخفى على كثير من قصة الرجل الذي من بني إسرائيل قتل تسعاً وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض فدلّ على رجلٍ عابد فسأله هل له من توبة ؟ فكأن العابد استعظم الأمر فقال : لا فقتله فأتم به المئة ، ثم ذهب إلي عالم فسأله فأخبره أن له توبة وأنه لا شيء يحول بينه وبين التوبة ، ثم دلّه على بلد أهله صالحون ليخرج إليها فخرج فأتاه الموت في أثناء الطريق .. والقصة مشهورة فأنظر الفرق بين العالم والجاهل  .
13- أن الله يرفع أهل العلم في الآخرة وفي الدنيا ، أما في الآخرة فإن الله يرفعهم درجات بحسب ما قاموا به من الدعوة إلي الله عزَّ وجلّ والعمل بما عملوا وفي الدنيا يرفعهم الله بين عباده بحسب ما قاموا به قال الله تعالى : { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات {11} سورة المجادلة .
وليس هذا فقط فللعلم فضائل غيرها ومناقب وآيات وأخبار صحيحة مشهورة مبسوطة في طلب العلم  .

عقد ابن القيم رحمه الله تعالى مقارنة بين العلم والمال يحسن إيرادها في هذا المقام فقد فضل العلم على المال من عدة وجوه أهمها: 
أن العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث الملوك والأغنياء .
أن العلم يحرس صاحبه وصاحب المال يحرس ماله . 
أن العلم يزداد بالبذل والعطاء والمال تذهبه النفقات – عدا الصدقة . 
أن العلم يرافق صاحبه حتى في قبره والمال يفارقه بعد موته إلا ما كان من صدقة جارية . 
أن العلم يحكم على المال فالعلم حاكم والمال محكوم عليه . 
أن المال يحصل للبر والفاجر والمسلم والكافر أما العلم النافع فلا يحصل إلا للمؤمن . 
أن العالم يحتاج إليه الملوك ومن دونهم وصاحب المال يحتاج إليه أهل العدم والفاقة والحاجة. 
أن صاحب المال قد يصبح معدماً فقيراً بين عشية أو ضحاها والعلم لا يخشى عليه الفناء إلا بتفريط صاحبه . 
أن المال يدعو الإنسان للدنيا والعلم يدعوه لعبادة ربه . 
أن المال قد يكون سبباً في هلاك صاحبه فكم أختطف من الأغنياء بسبب مالهم !! أما العلم ففيه حياةٌ لصاحبه حتى بعد موته . 
سعادة العلم دائمة وسعادة المال زائلة . 
أن العالم قدره وقيمته في ذاته أما الغني فقيمته في ماله . 
أن الغني يدعو الناس بماله إلي الدنيا والعالم يدعو الناس بعلمه إلي الآخرة . 
وهاك مثالاً يبين فضل العلم على الإنسان إنه يدور في زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد إنها قصة تلميذ الإمام أبي حنيفة ( أبو يوسف ) التي يرويها علي بن الجعد فيقول : ” أخبرني أبو يوسف قال توفي أبي إبراهيم بن حبيب وخلفني صغيراً في حجر أمي فأسلمتني إلي قصار أخدمه فكنت أدع القصار وأمر إلي حلقة أبي حنيفة فأجلس أسمع فكانت أمي تجيء خلفي إلي الحلقة فتأخذ بيدي وتذهب بي إلي القصار وكان أبو حنيفة يعني بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم فلما كثر ذلك على أمي وطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة ما لهذا الصبي فساد غيرك هذا صبي يتيم لا شيء له وإنما أطعمه من مغزلي وآمل أن يكسب دانقاً يعود به على نفسه فقال لها أبو حنيفة : قري يا رعناء ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق – فانصرفت عنه وقالت له : أنت يا شيخ قد خرفت وذهب عقلك !! .. فأكمل أبو يوسف فقال : ثم لزمت أبا حنيفة وكان يتعهدني بماله فما ترك لي خلة فنفعني الله بالعلم ورفعني حتى تقلدت القضاء وكنت أجالس هارون الرشيد وآكل معه على مائدته فلما كان في بعض الأيام قدم إلي هارون الرشيد فالوذجاً بدهن الفستق فضحكت فقال لي مم ضحكت ؟ فقلت : خيراً أبقى الله أمير المؤمنين قال : لتخبرني – وألح علي – فأخبرته بالقصة من أولها إلي آخرها فعجب من ذلك وقال لعمري : إنه العلم ليرفع وينفع ديناً ودنيا وترحم على أبي حنيفة وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه. 
وهذا عبيد الله بن كثير يروي عن أبيه أنه قال : ” ميراث العلم خير من ميراث الذهب والفضة والنفس الصالحة خير من اللؤلؤ ولا يستطاع العلم براحة الجسم ” .
وأما معاذ بن جبل رضي الله عنه فقال : ( تعلموا العلم ـ دققوا في هذا الحديث الطويل ـ تعلموا العلم فإن تعلُّمه لله ـ أي مخلصاً به ـ خشية ، وطلبه عبادة ، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه صدقة ، وبذله لأهله قربة ـ أثمن هدية ـ وهو الأنيس في الوحدة ، والصاحب في الخلوة ، والدليل على الدين ، والنصير في السرَّاء والضراء ، والوزير عند الإخلاء, والقريـب عند القرباء ، هو منـار سبيل الجنة ، يرفـع الله به أقواماً يجعلهم في الخير قادة وسادة ، يُقتدى بهم ، يدل على الخير ، وتقتفى به آثاره ، يجعلك مع الملائكة والمُقَرَّبين ، يسبِّح لك كل رَطْبٍ ويابس ، تستغفر لك حتى الحيتان في البحر ، وهوامُّ السِباع في البَر ، به يطاع الله عزَّ وجل ـ بالعلم يطاع الله عز وجل ، كيف تطيعه إن لم تعلم ما أمره وما نهيه ؟ ـ وبه يُعْبَد الله عزَّ وجل ، وبه يوحَّد الله عزَّ وجل ، وبه يُمَجَّد الله عزَّ وجل ، وبه يتورَّع الإنسان ـ يكون ورعاً ـ وبه توصل الأرحام ، وبه يُعرف الحلال والحرام. هو إمام العمل يلهمه السُعداء ويحرم منه الأشقياء ) .
الإمام الحسن رضي الله تعالى عنه يقول : ” لولا العلم لصار الناس مثل البهائـم “ ، كلكم يعلم أن كل شيءٍ ماديٍ يشغل حيزاً في الفراغ ، له وزن ، له طول ، له عرض ، له ارتفاع ، لكن النبات هو شيءٌ ماديٌ يشغل حيِّزاً وينمو ، والحيوان شيءٌ ماديٌ يشغل حيزاً وينمو ويتحرك ، ولكن الإنسان شيءٌ ماديٌ يشغل حيزاً ويتحرَّك ويدرك ، ويفكر ، ويعقل ، فحينما يُعَطِّل الإنسان عقله ، حينما يُلْغي عقله ، حينما يحتقر عقله ، حينما يستخدم عقله في غير ما خُلِق له هبط إلى مستوى البهائم ؛ كتلةٌ من لحمٍ ودم ، تبحث عن طعامٍ وشراب ، تقتنص اللّذات ، تريد أن تأخذ كل شيء بجهلٍ كبير ، فالإمام الحسن يقول : ” لولا العلم لصار الناس مثل البهائم “ ، أي أن طلاب العلم يخرجون الناس من حد البهيمية إلى حد الإنسانية . 
يقول يحيى بن معاذ ـ أحد العارفين بالله تعالى ـ : ” العلماء أرحم بأمة محمدٍ من آبائهم وأمهاتهم ، قالوا : كيف ذلك ؟ العالم أرحم بتلميذه من الأب والأم بابنيهما ؟‍! قال : إليكم الجواب ، الآباء والأمهات يحفظون أولادهم من نار الدنيا ـ يخافون عليهم المرض ، يخافون عليهم الحريق ، يخافون عليهم الفقر ـ ولكن العلماء يحفظون أتباعهم من نار الآخرة .. تنتهي فضائل الأبوة في الدنيا ، لكن فضائل طلب العلم تستمر إلى أبد الآبدين ” .

للجهل آثار سلبية ؛ من تخبط العيش ، وتراكم المحن ، وتأخر عن ركب الحضارة ، وركود في مستنقع الأوبئة ، والأمراض الفتاكة ، وكثرة الأعداء الطامعين في الأوطان ، وحمم من الآلام تعصف ، قد كان ضحاياها في منأى عنها لو طرقوا أبواب العلم وتنافسوا به .

 


تمت والحمد لله رب العالمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى