التحدي بين العمل والبطالة

– عنوان المحاضرة : التحدي بين العمل والبطالة

– المحاضر : د. رنا حمد

– المحاضرة : نصية

– قدمت في : أكاديمية FG – Group الأمريكية

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما تعطل عدد كبير عن العمل سواء أكانوا مكرهين على ذلك أو كسلاً منهم ، فقد ضاعت – في المقابل – جهود كبيرة على الأمة ، كان يمكن أن تنتج وتؤدي دورها في تقدم الإنتاج .

فالبطالة مشكلة اقتصادية واجتماعية وإنسانية ذات خطر ، فإذا لم تجد العلاج الناجع فإن خطرها – للأسف يتفاقم على الفرد والأسرة والمجتمع .

لا شك أن من أبرز المشاكل التي تواجهها المجتمعات المعاصرة وأخطرها أثراً على الكيان الاجتماعي والاقتصادي ، ظاهرة البطالة التي يعاني منها الكثير .

ولهذا ، كان لابد أن تستحوذ هذه الظاهرة على قدر كبير من اهتمام وتفكير علماء الاقتصاد ، ليكشفوا عن أسبابها ودوافعها توخياً لإيجاد سبل العلاج الناجع لها ، حتى يبرأ المجتمع من أخطر أمراضه . 

فلقد حظيت ظاهرة البطالة باهتمام على الصعيدين النظري الوصفي ، والواقعي التطبيقي .

فتعددت النظريات تجاهها وتنوعت أشكالها وصورها ، واختلفت أسبابها ومبرراتها وعمت آثارها وأضرارها الفرد والمجتمع والدولة . 

وقبل ذلك فقد نادى الإسلام بالعمل وحث عليه ، كما نهى عن البطالة في الوقت نفسه ، بحيث لا يقعد المرء فارغاً عن العمل ، لأن البطالة تؤدي إلى فساد المجتمع واضطرابه .

 

– مفهوم البطالة :

والبطالة بالمفهوم الاقتصادي هي التوقفُ عن العمل ، أو عدمُ توافر العمل لشخصٍ قادرٍ عليه وراغب فيه ، وقد تكون بطالةً حقيقية أو بطالة مقنّعة ، كما قد تكون بطالة دائمة أو بطالة جزئية وموسمية ، وتتضاعف تأثيراتُها الضارة إذا استمرت لمدة طويلة وخاصة في أوقات الكساد الاقتصادي ، وكان الشخص عائلا أو ربًا لأسرة ، إذ تؤدى إلى تصدع الكِيان الأسرى ، وتفكك العلاقات الأسرية ، وإلى إشاعة مشاعر البلادة والاكتئاب .
وأيًا ما كانت الأسبابُ المؤدية إلى البطالة – كأن تكون أثرًا لما يوجد في المجتمع من تناقضات في بناء فرص العمل ، أو نتيجة للتخصص المتزايد والتنافس الشديد في الإنتاج الرأسمالي – فلا سبيل إلى مكافحتها إلا بإتاحة فرص العمل التي تصونها الضوابط العادلة من شرع الله تعالى ، والتي تهتم بالحاجات العامة للإنسان ، فالدينُ والعمل هما طوق النجاة من شرور البطالة والأزمات الاقتصادية .


– ضعف الأداء الاقتصادي :

التقارير الصادرة عن منظمة العمل العربية تؤكد أن هناك مؤشراتٍ على اتساع مشكلة البطالة وقصور العلاجات التي طرحت لها حتى الآن ، سواء على المستوى القطري أو المستوى العربي ، نتيجة ضعف الأداء الاقتصادي ، وسوء سياسات التنمية الاقتصادية ، وضعف محتوى المؤسسات التعليمية والتدريبية ، وعدم الترابط بينهما ، وما أفرزته الإصلاحات الاقتصادية، إضافة إلى نمو القوى العاملة المرتفع .


– خطط التنمية الاقتصادية :

ويرجع خبراءُ الاقتصاد تفاقمَ البطالة في المنطقة العربية أيضا إلى إخفاق خطط التنمية الاقتصادية في الدول العربية على مدار العقود الأربعة الماضية ، وخاصة بعد الفورة النِّفْطية مطلع السبعينيات ، وغياب التخطيط الاقتصادي المنهجي ، وعدم تطابق برامج التعليم في معظم الدول العربية مع الحاجات الفعلية لسوق العمل ، علاوة على أن التكوين المنهجي في معظم الدول العربية لم يواكب التطورات التكنولوجية السريعة الجارية في العالم .

هذا إلى جانب تطبيق برامج الخصخصة التي أدت إلى تسريح أعداد كبيرة من العاملين في شركات ومؤسسات القطاع العام .

وإخفاق معظم برامج التصحيح الاقتصادي التي طبقتها الدولُ العربية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي في إحداث أي نمو اقتصادي حقيقي ، وبنسب معقولة تساعد على التخفيف من مشكلة البطالة ، بل على العكس من ذلك تماماً فقد ساعدت هذه البرامجُ على زيادة عدد العاطلين عن العمل ، وكذلك إفقار قطاعات كبيرة من الشعب نتيجة :

رفع الدعم عن السلع والخدمات الأساسية ، واستنزاف معظم الموارد العربية خلال حقبة ازدهار أسعار النفط في الإنفاق على التسلح، وتمويل الحروب التي اندلعت في المنطقة ، وبعد ذلك وقوعها في شراك الديون وخدمتها الباهظة .
يضاف إلى ذلك تسارعُ ظاهرة العولمة ومسارعةُ الدول العربية للالتحاق بقطار منظمة التجارة العالمية ، والاستجابة لشروطها في فتح الأسواق العربية أمام السلع والمنتجات الأجنبية المنافسة ، مما أدى إلى إعلان الكثير من المصانع والشركات الإفلاسَ كما يحدث الآن في مصر ، الأمر الذي يعني اتساعَ ظاهرة البطالة اتساعًا أسرع مما مضى .

كما أن العولمة ستؤدي إلى تفاقم ظاهرة الهجرة من الدول العربية إلى الخارج ، وخاصة في صفوف الكفاءات والخبرات العلمية المتميزة ، الأمر الذي يعني خسارة مزدوجة . 

جاء في كتب التاريخ أن أحد الخلفاء أوقف أحد نوابه على بعض أقاليم الدولة الإسلامية ، وسأله : ماذا تفعل إذا جاءك سارق ؟ قال : أقطع يده . فقال له الخليفة : وإذا جاءني منهم جائع أو عاطل فسوف أقطع يدك . 

إن الله استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم ونستر عورتهم ونوفر لهم حرفتهم .

فإذا أعطيناهم هذه النعم تقاضيناهم شكرها . يا هذا إن الله خلق الأيدي لتعمل ، فإذا لم تجد في الطاعة أعمالاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .

وهكذا لا نستطيع أن نرى دولة من دول العالم قديماً أو حديثاً اتخذت في معالجة البطالة أسلوباً حكيماً ، كما اتخذه الإسلام ، ولا نجد نصوصاً في قوانينها ، كما نجد ذلك في شريعة الإسلام .  

ويبقى التساؤل الأبرز:  كيف يتعامل سوق العمل مع البطالة المتفشية ؟ ذلك لأنه كما يقول الراغب الأصفهاني : من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية ، وصار من جنس الموتى ..

وعلى المستوى العربي والإسلامي نجد تقاريرَ منظمة العمل العربية التابعة لجامعة الدول العربية التي تؤكد أن عدد الشبان العرب العاطلين عن العمل يبلغ نحو 15 مليون شخص ، ويمثلون 16% من القوة العربية العاملة التي تبلغ في الوقت الحاضر نحو 100 مليون شخص .

وتوقعت التقارير أن يصل عددُ الباحثين عن فرص عمل في المنطقة العربية سنة 2018م إلى أكثر من 50 مليون شخص .
كما تؤكد تقاريرُ المنظمة أن الوطن العربي – الذي ترتفع فيه نسبة البطالة بين أبنائه – يعمل فيه 8 ملايين أجنبي، إلى جانب وجود أكثر من 100 مليار دولار يستثمرُها العربُ خارجَ الأقطار العربية، فلو استُثمِرت هذه الأموالُ في الوطن العربي لتمكنّا من تشغيل نسبة كبيرة من اليد العاملة ، والحد من الخسائر السنوية التي تتحملها الدول العربية .

فلا شيء يمنع من إلزام الشَّركات الكبيرة بقصر الوظائف العامة على المواطنين ، ومثلها الشَّركات المتعاقدة مع الحكومة بعقود ضخمة ، والشَّركات الأجنبية التي تعمل في بلادنا وتستفيد من خيراتنا .

كما أنَّ خلق الوظائف متيسر جداً من خلال المدن الاقتصادية والمشاريع العملاقة في شتى المجالات ، ولا يحتاج الأمر أكثر من مسؤول قوي أمين ذي رؤية مستقبلية صائبة ويقدم مصالح البلد على غيرها من رغبات الأفراد وتوجهاتهم .
ومن خلق الوظائف سرعة بناء المنشآت الحكومية أيَّا كان حجمها ، وتحمل بعض الوزارات كالتَّعليم والصِّحة والوزارات العسكرية إضافة إلى وزارة الموارد البشرية المنشطرة إلى عمل وخدمة مدنية عبء هذا الهمَّ حتى يجهزوا على أكثره ، فإنَّ خدمة الأقربين من المروءة ، ونفع المواطنين أمانة طالما كرَّرها ولاة الأمر ، ومن الإثم مخالفة ولي الأمر في الطَّاعة ، ومن العيب والخزي أن تكون بلدانا الأغنى في العالم بلدان عطالة وبطالة وفيها ملايين غير عاملين .



– الإسلام والبطالة :

وأيًا ما كانت الأسبابُ المؤدية إلى البطالة – كأن تكون أثرًا لما يوجد في المجتمع من تناقضات في بناء فرص العمل، أو نتيجة للتخصص المتزايد والتنافس الشديد في الإنتاج الرأسمالي – فلا سبيل إلى مكافحتها إلا بإتاحة فرص العمل التي تصونها الضوابطُ العادلة من شرع الله تعالى ، والتي تهتم بالحاجات العامة للإنسان ، فالدين والعمل هما طوق النجاة من شرور البطالة والأزمات الاقتصادية . 
ولقد أخذ العملُ في الإسلام مكانة لا تدانيها مكانة فلم يحدث أن دينًا من الأديان السابقة أكد قيمة العمل وقيمة الفرد العامل كما فعل الإسلامُ الذي جعل العملَ واجباً إسلامياً مفروضاً على كل إنسان مهما علا شأنه أو صغر ، وقرر منذ بدء دعوته أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل ، وأنه قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح ، ومن هنا كان الارتباط والاقتران بين الإيمان والعمل في آيات كثيرة من كتاب الله الكريم ؛ قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا {30} الكهف ، { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا {107} الكهف ، { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ {9} يونس ، فلا إيمان إلا بالعمل الصالح الذي يؤكد هذا الإيمان تأكيداً عملياً من خلال الكد والاجتهاد والبحث عن الرزق وإعمار الأرض .

ولقد حرَص الإسلام على دفع المسلمين إلى العمل ، وحضهم عليه ، وترغيبهم فيه ، وفتَحَ أمامهم أبوابَ العمل الصالح على مصراعيها ؛ ليختار كلُّ إنسان ما يناسبُ قدراتِه وإمكانياتِه ومهاراته من عمل طيب ، وجاء الأمرُ بالانتشار في الأرض بعد الصلاة طلبا للرزق ؛ فقال تعالى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {10} الجمعة .
وحث الإسلام على المهن والحرف اليدوية ، وجعل كل كسب حلالٍ عملاً شريفاً وإن نظر إليه بعضُ الناس نظرة استهانة واحتقار ، فقد روى البخاري عن الزبير بن العوام – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله قال : ” لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه ” .
ووردت أحاديث كثيرة تبين فضل الكسب والمهن والحرف اليدوية ؛ فعن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله قال : ” ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ” .

وفي الحث على المزارعة والغرس روى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله قال : ” ما من مسلم يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة ” .
ولقد كان الرسلُ والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من أحرص الناس على العمل إلى جانب الدعوة إلى الله فكان نوحٌ نجاراً ، وكان إدريس خياطاً ، وكان داود خواصاً ، وكان موسى أجيراً عند شعيب ، وكان نبينا يرعى الغنم ويعمل بالتجارة قبل البعثة .
وقد اقتدى به الصحابة الكرام – رضوان الله تعالى عليهم – فحرَصوا على العمل والسعي في طلب الرزق ؛ فكان منهم الصانع والتاجر والزارع ، وكانوا يتمتعون بالغنى وسعة الرزق ويمارسون أعمالهم مع انشغالهم في الدعوة والجهاد في الغزوات والحروب والفتوحات التي كانوا يحققون فيها النصر والظفر .



– أضرار البطالة :

ولا شك أن للكسل والبطالة والقعود عن العمل أضراراً وأمراضاً خطيرة تهدد المجتمعَ بالخراب والدمار ، فالإنسان الذي يركن إلى البطالة ويُضرب عن العمل مع توفر فرصه يضيع نفسه ويضيع ذويه ، ويصبح عالة على غيره وعضواً مشلولا يعوق حركة المجتمع وتقدمه ، ثم نجده يُعرّض نفسَه ومن يعول للذل والهوان ، ولا يلقى من الناس إلا الاحتقارَ والسخرية ، ويجني من كل ذلك ضياع الدين والخلق والكرامة .
وهذا العاطل عن العمل قد يدفعه تعطلُه وبطالتُه إلى أحد أمرين : إما أن يتكفف الناس ويتسول ، وإما أن يتجه إلى ارتكاب الجرائم والمنكرات للحصول على الأموال .
فأما التسول فهو من أخطر الأمراض التي تضر المجتمع ، وتشوه صورته ، والمتسول – وخاصة إذا كان من القادرين على العمل – إنسان حقر نفسه ، وأراق ماء وجهه ، وخلع حياءه وكرامته ، وفقد إنسانيته ، وبدأ يمد يده للناس أعطوه أو منعوه ، أما غيرُ القادر على العمل فهذا له عذرُه في الحاجة إلى غيره ، ومن أجله كانت فريضة الزكاة التي تغنيه عن الحاجة والمسألة .
ولكن الشيء الغريب أن التسول أصبح اليوم مهنة لبعض الناس ، وانتشر في بعض الدول الإسلامية انتشارا سرطانيًا مدمرًا ؛ حتى إن بعض القادرين على العمل من الكسالى قد استسهلوا التسول وانطلقوا في الشوارع والمركبات العامة يمدون أيديهم للناس بغير حياء .
ولقد حارب الإسلامُ هذه العادةَ السيئة وبالغ في النهي عن مسألة الناس ؛ فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر – رضي الله تعالى عنهما – أن رسول الله قال : ” ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ” .

وروى الإمامُ أحمد عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله قال : ” لا يفتح عبدٌ بابَ مسألة إلا فتحَ الله عليه بابَ فقر ” .

وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله قال : ” اليد العليا خير من اليد السفلى ” .


– البطالة والجريمة :

وأما الأثر الثاني للبطالة والتعطل عن العمل بعد التسول فهو الاتجاهُ إلى الجريمة طلبًا للمال  ، وهذا الأثر أخطرُ بكثير من التسول ؛ لأنه إن كان المتسولُ يأخذ من مال الإنسان بمحض إرادته وبطيب نفس منه ، فإن السارق يأخذُ المالَ عَنوة ، وقد يعتدي على صاحب المال إذا ما اعترضه وهو يسرق ، ويرتكب جريمة أخرى غير السرقة وهي : القتل ، ومن هنا تنتشر الجرائم وتصبح حياةُ الإنسان وماله وعرضه في خطر من هؤلاء المجرمين المتعطلين ، وقد أثبتت الدراساتُ والبحوث أن أكثر الذين يرتكبون الجرائم في هذه الأيام هم من العاطلين الذين أخفقوا في عملهم أو في دراستهم وعجزوا عن أن يشغلوا أنفسهم بالحق فشغلتهم هي بالباطل .

ومن هنا تتضح عظمة الإسلام حين حضّ على العمل ، ورغب الناس فيه ، وجعل بعض الأعمال تصل إلى منزلة الجهاد في سبيل الله تعالى .


– بواعث التعطل :

والإسلام عندما دعا إلى العمل وحضّ عليه عالج البواعث النفسية والمعوقات العملية التي تثبط الناس عن العمل والسعي والمشي في مناكب الأرض ، وتقودهم إلى البطالة ، فمن الناس من يعرض عن العمل والسعي بدعوى التوكل على الله وانتظار الرزق من السماء ، والإسلام قد خطّأ هؤلاء ؛ لأن التوكل على الله لا ينافي العمل واتخاذ الأسباب ، فالطير نفسه قد فقه مفهوم التوكل على الله فنجده يغدو ويروح طلبا للرزق ، كما قال الرسول : ” لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا ” .
وقد رتب الله سبحانه الأكل من رزقه على المشي في مناكب أرضه فقال تعالى : { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ {15} الملك ، فمن مشى أكل، ومن كان قادراً على المشي ولم يمش كان جديراً ألا يأكل .
ومن الناس من يدع العمل لأنه لم يتيسر له في بلده ومسقط رأسه وموطن أهله وعشيرته ، ويرضى بالبطالة والفقر بدلاً من الهجرة والضرب في الأرض والسفر مع السعة والغنى ، فإن هؤلاء قد حثهم الإسلام على الهجرة ، وشجعهم على الغربة ، وبين لهم أن أرض الله واسعة، وأن رزق الله غير محدد بمكان ولا محصور في جهة، قال تعالى : { وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً {100} النساء ، وقال تعالى : { وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ {20} المزمل .
وعن عبد الله بن عمرو قال : توفى رجل بالمدينة ممن ولدوا فيها ، فصلى عليه رسول الله وقال : ” ليته مات في غير مولِدِه “ ، فقال رجل : ولِمَ يا رسول الله ؟ قال : ” إن الرجلَ إذا مات غريباً قِيسَ له من مولده إلى منقَطَعِ أثرِه في الجنة ” .
وقد انطلق المسلمون الأوائلُ على هدى هذه الأحاديث في فجاج الأرض ؛ ينشرون الدينَ ، ويلتمسون الرزقَ ، ويطلبون العلم ، ويجاهدون في سبيل الله تعالى .
وقال : ” لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرّة سويّ “ ، فمدلول الحديث واضحٌ ، ومعنى المرة : القوة ، والسوي : السليم الأعضاء ، وبهذا لم يجعل الرسول لمتبطل كسول حقًّا في صدقات المسلمين ، وذلك ليدفع القادرين إلى العمل والكسب الحلال ولا يدع لهم فرصة للقعود وترك العمل والسعي .


– استراتيجية إسلامية شاملة :

يجب على المجتمع الإسلامي بدُوَله وشعوبه أن يأخذ بهذه التوجيهات الإسلامية في مواجهة البطالة ، التي باتت كالقنابل الموقوتة تهدد الاستقرارَ في الدول العربية والإسلامية ، ويضع استراتيجية إسلامية شاملة في هذا الشأن ، يتم من خلالها الإسراعُ بإنشاء السوق الإسلامية المشتركة التي طال انتظارُها ، إذ أن إنشاء هذه السوق سوف يساعد في تشجيع تبادل الأيدي العاملة ، وانتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية والإسلامية ، بما يؤدي إلى التقليل من حدة الظاهرة ، هذا إلى جانب تحسين الأداء الاقتصادي العربي والإسلامي ، وتحسين مناخ الاستثمار في الدول الإسلامية ، وإزالة القيود التنظيمية والقانونية التي تحول دون اجتذاب الأموال العربية في الخارج ، والتي يقدرها بعضُ الخبراء بنحو 800 مليار دولار ، ولا شك أن عودة هذه الأموال للاستثمار في الدول العربية والإسلامية سوف يساعد في كبح جماح مشكلة البطالة ، ويساعد على توفير فرص عمل لا حصر لها للشباب المسلم . 


تمت والحمد لله رب العالمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى